مفاجأة المنتدى هذه المرة تأخذنا في زيارة إلى منطقة تكاد تكون مجهولة من التراب الليبي، منطقة ارتبطت بالتاريخ وبالتراث وبالبر والبحر. فيها يختلط الماضي بالحاضر ليشكل نسيجا باهرا من السحر والمتعة. إنها "جزيرة فروة".الموقع:تقع جزيرة فروة في أقصى غرب الساحل الليبي, شمال منطقة أبو كماش غرب المجمع الصناعي بنحو الميلين، وتبعد 140 كيلومتر غربي طرابلس، ونحو 30 كيلومتر غربي مدينة زوارة قرب الحدود الليبية التونسية وتتبع شعبية النقاط الخمس من الناحية الإدارية.
تمتد الجزيرة على هيأة لسان بحري بطول يتجاوز (11) كم, وبعرض يتراوح ما بين 400 إلى 600 متر تقريباً. تبعد عن الشاطئ في أبعد نقطة حوالي مسافة ميلين، وتبلغ مساحتها نحو 470 هكتارا، وفي معظم أشهر السنة تحاط بالمياه خاصة مع تكون الفيضانات في الشتاء، وكانت في أشهر الصيف تصبح أشبه بشبه جزيرة تتصل بالبر الرئيسي من ناحية الشرق حيث يمكن عبورها من البر الرئيسي سيرا على الأقدام، خصوصا في فترات النهار حيث يصل عمق المياه إلى نحو قدمين فقط في الصباح، إلا أنه في المساء يزداد ليصل لنحو المتر. وقد أصبح هذا الجزء منفصلا بفعل التيارات البحرية وحركة المد والجزر.
يتم الدخول إلى الجزيرة من الرصيف البحري (السقالة)، المخصص للصيادين في منطقة أبي كماش بواسطة القوارب الصغيرة ذات القاع المسطح نظرا لضحالة المياه، وعادة ما يستعمل قاربين مختلفي الحجم ليتم استعمالهما حسب عمق المياه ليتم في النهاية إكمال المسافة سيرا على الأقدام في المياه الضحلة.
في جزيرة فروة فرص جيدة لصيد السمك حيث تمتاز بشاطئ طويل خال من العوائق غني بالأسماك والحيوانات البحرية خاصة الأخطبوط. كما أن الزراعة لها نصيب وافر على الجزيرة فقد كان السكان الذين عاشوا على ظهرها يمتهنون صيد السمك والزراعة، حيث كانت تزرع الخضروات بها إلى جانب أشجار النخيل. كما تتمتع الجزيرة والمناطق المحيطة بها بتنوع في الحياة البرية وخاصة الطيور بأنواعها العديدة، كما يوجد بها بعض الأنواع من الحشرات والزواحف وأيضا النباتات المختلفة وهو دليل على التنوع البيئي بهذه الجزيرة. تعتبر طبيعة الأرض على الجزيرة متنوعة ولكن أغلبها أرض رملية تغطيها الكثبان التي ينتشر بها النخيل بكثافة، كما توجد بها مناطق ملحية "سبخة" وأخرى طينية، وبعض المناطق تغطيها الصخور الهشة. يوجد مبنى بالجزيرة مخصص للمنارة البحرية وقد تم إعادة بناؤه سنة 2002.
رجل من جزيرة فروة "الحاج مسعود عبد الرحمن غواز"للحاج مسعود - الذي يناهز عمره الثمانين حولاً- حكاية حب وارتباط طويلة مع (فروة), فقد ولد في جزيرة فروة سنة 1931م, ونشأ على رمالها وبين نخيلها وأشجارها، وكان بها مسكنه, وهو عبارة عن خص من جريد النخيل, والنخل ينتشر في هذه الجزيرة فيضيف إليها بهاء على بهاء, ولا يزال شامخاً إلى يوم الناس هذا, رغم الإهمال والنسيان, وجحود الأهل والخلان.
منذ عدة عقود خلت غادر عمنا مسعود وجميع سكانها القلائل جزيرة السحر والجمال .. غادرها سكناً ولم يتركها زيارةً .. فهو عاكف على مواصلتها يومياً منذ أن تركها منزلاً .. وهل يجفو الابن البار أمه؟!
الحاج مسعود –ذلك الصياد القديم- خبر الجزيرة .. ويعرفها شبراً شبراً, وذراعاً ذراعاً .. يعرف نباتاتها ونخيلها, الذي غرس بعضه، وقد روى لنا حكايات عن تواجد القوات الألمانية والإيطالية على الجزيرة وما شهدته من غارات وتواجد مكثف للقوات الأجنبية. فقد أشار إلى وجود قبو بالجزيرة منذ فترة الإحتلال الإيطالي استعمل على ما يبدو كملجأ من الغارات ومخزن للعتاد، وكما يروي أن هذا القبو لا يزال موجودا إلى الآن إلا أنه مدفون تحت الرمال.
كما أرشدنا الحاج مسعود إلى مقبرتين أحدهما للمسلمين والأخرى للطليان وقد وجد في إحدى الفترات قبر جماعي لضحايا الحرب من الطليان وقد لعبت الظروف الطبيعية دورها فقد غمرت المياه المكان واختفى بفعل التيارات البحرية والرمال، و بعد انتهاء الحرب قامت السلطات الإيطالية بانتشال العديد من الجثث واستعادتها وترحيلها إلى إيطاليا.
كان الحاج مسعود يعمل حارسا بمنارة فروة (معطلة حالياً) إلى أن تقاعد منذ سنوات عديدة. وقد عشق البحر وأصبح البحر يمثل الملاذ والتسلية والهواية والحرفة، هذا الرجل الممتلئ نشاطاً وحيوية رغم تقدمه في السن كان نعم المرشد, ونعم الدليل فله منا وافر الاحترام, وجزيل الامتنان, مع أمنياتنا له بدوام الصحة والعافية.
هنا بعض الصور الرائعة التي التقطتها اثناء زيارتي مع بعض الأصدقاء إلى جزيرة "فروة".